الخبر بالصوت


تعيش الرئاسة لحظة تحوّل حقيقية لم تصل إليها طوال السنتين الماضيتين. يعيش الفراغ في القصر الجمهوري منعطفاً جدياً، عنوانه جلوس رئيس تكتل التغيير والإصلاح الجنرال ميشال عون إلى الكرسي الأولى.  

 

لا تزال عراقيل كثيرة تحول دون وصول هذه الانعطافة إلى نقطة النهاية المتحققة بانتخاب “العماد”. تتعلق هذه العقبات بدفع أفرقاء أساسيين إلى مباركة هذا الخيار والسير به، أبرزهم رئيس المجلس النيابي نبيه بري من خلال ترتيب ما يسمّى بالسلة المرافقة لانتخاب سيد القصر، وعلى رأسها قانون الانتخاب. الرافعة الفعلية التي تجعل خيار الجنرال خياراً يتحقق واقعياً ويدفع به للوصول إلى بعبدا.

 

هل حان وقت القطاف؟ ما الذي تبدّل في موقف الأزرق؟ أين رئيس تيار المستقبل سعد الحريري من الفيتوين الأميركي والسعودي؟

 

تجاوز الأفرقاء العقدة السعودية مستفيدين من الصمت الصحراوي. تقول مصادر مطلعة على سياسة العائلة المالكة لـ “البناء” إنّ الرياض حيّدت نفسها لأسباب خاصة. ربما ترتبط باستثمارها الخاسر في لبنان، ومن مصلحتها عودة الحريري إلى السلطة وعدم المسّ بروحية الطائف؛ فضلاً عن أنّ الشيخ سعد نفسه لم يكن ليقدم على خطوة كهذه لو شعر بممانعة من الرياض أو من واشنطن. الولايات المتحدة بدورها في كوما. انتخابات البيت الأبيض الرئاسية بعد نحو شهر ونصف، ومن الممكن أن تغضّ النظر في هذه اللحظة. أما فرص إجهاض التسوية الرئاسية، من بوابة آل سعود بالتعاون مع أطراف داخلية، وفق المصدر نفسه، فباتت أصعب، إذا استمرّ الحريري في جديته حتى النهاية، ناهيك عن أنّ سقف المناورة أصبح ضعيفاً عنده.

 

حدّد الرئيس الحريري سلّم خياراته من جديد. أجرى قراءة دقيقة للمستجدات والتحوّلات. وحدها الرابية ستعيده إلى السراي. وضع رئيسَ تيار المرده النائب سليمان فرنجية في أجواء تبنيه ترشيح الجنرال بعدما سدّت الأفق أمامه. كذلك فعل أمس مع الرئيس أمين الجميّل ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، أبلغهما قراره تجاه رئيس تكتل التغيير والإصلاح.

 

على غير عادة، وبناء على توجيهات رئيس تيارهم، التزم نواب الكتلة الزرقاء الصمت أمس، خلال الجلسة الـ45 لعدم انتخاب الرئيس. لم يعتل المنبر الرئيس فؤاد السنورة بعد خلوته المعهودة مع نائب رئيس حزب القوات جورج عدوان بعد كلّ جلسة، ليهاجم التيار الوطني الحر وحزب الله. اكتفى النواب أحمد فتفت، عاطف مجدلاني، سيرج طورسركسيان، ورياض رحال بالاستماع إلى النائبين اسطفان الدويهي ودوري شمعون وتوزيع الابتسامات.

 

إلى أن يحين موعد الجلسة الـ 46 لانتخاب الرئيس في 31 تشرين الأول، رغم أنّ النائب اميل رحمة قال ممازحاً “إنّ انتخاب الرئيس سيكون في الجلسة “47، من المفترض أن يبدأ الحريري معالجة تداعيات اندفاعته، كما يقول مصدر نيابي لـ “البناء”.

 

ليست من عبث تغريدة رئيس تيار المرده سليمان فرنجية عبر تويتر “إذا اتفق الحريري مع عون وسمّاه لرئاسة الجمهورية، فسيحصد النتيجة نفسها، حينما سمّى الرئيس أمين الجميّل عون رئيساً للحكومة العام 1988”. يشعر “بيك” المرده أنّ الأمور في بداية تحوّل. لم يكن في مكانه رهانه على وعد قطعه “شيخ المستقبل”.

 

بعث فرنجية بنزول النائب اسطفان الدويهي الى الجلسة برسالة إلى حلفائه قبل خصومه، بغضّ النظر عن أنّ تحرّك بنشعي غير المنسق مع حزب الله لم يزعج حارة حريك، لأنه لا يقدّم ولا يؤخّر. يدرك الجميع أن لا جلسة ولا انتخاب رئيس من دون التوافق.

 

إنّ فتح باب قصر بعبدا امام الجنرال عون يتطلب وقتاً. هناك تعقيدات سيتمّ الانصراف إلى معالجتها في الفترة المقبلة على مستوى كتلة المستقبل من قبل الرئيس الحريري، وعلى مستوى الرئيس نبيه بري من قبل العماد عون.

 

لن يقبل الرئيس بري أن يكون ملحقاً بأيّ اتفاق. يجب أن تُبحث المسائل معه مباشرة. الرئاسة مرتبطة بملفات أخرى تحتاج الى توافق وطني. أعاد الرئيس بري التذكير أمس، بحسب ما نقل عنه زواره لـ “البناء” باجتماع الدوحة الذي انصرفت المكونات السياسية خلاله الى مناقشة السلة المتكاملة المتعلقة بقانون الانتخاب وتشكل الحكومة، وعندما تمّ الانتهاء من ذلك، اعتُبر الملف الرئاسي تحصيلَ حاصلٍ. ميّز “الأستاذ” أمس، بين تشكل الحكومة وتشكيل الحكومة، ففي الدوحة انتقلنا من تشكل الحكومة الى تشكيل الحكومة (الاتفاق على الوزارات وتوزيعها). أعاد التذكير بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي ضمّت فريقاً سياسياً واحداً (كان تيار المستقبل خارجها)، رغم ذلك أخذت 8 أشهر لتذليل عُقد البيان الوزاري والمقاعد الوزارية.

 

يستخلص رئيس المجلس مما شرحه لـ “نواب الاربعاء” الحاجة الى التفاهم على كلّ شيء قبل الاتفاق على الرئيس؟ في حال الاتفاق لا تعود هناك مشكلة في ما يتعلق باسم الرئيس.

 

يستذكر بري محطات عديدة في تاريخ الأزمة اللبنانية من لوزان إلى وقتنا الحاضر. كان يرفض على الدوام الدخول في اتفاقات ثنائية ليصر على مبدأ الشراكة. من وجهة نظره، لا يكفي اتفاق طرفين (الحريري وعون) على الرئاسة والحكومة كي ينتهي الموضوع. هناك أمور أخرى تفصيلية تستدعي التفاهم مع القوى الأخرى بما فيها تشكل الحكومة، ومن ثم تشكيلها وقانون الانتخاب.

 

عندما يتحدث بري عن سلة متكاملة يقصد، كما يقول لزواره، جدول أعمال طاولة الحوار الوطني التي أنجزت نقطتين أو ثلاثاً وبقيت النقاط الأخرى عالقة. يرى أنّ الحوار الوطني معبر ضروري للتفاهم على السلة الكاملة.

 

وعندما سُئل عن دلالة تحديد موعد الجلسة في 31 تشرين الاول؟ أجاب: اعتبارات عديدة حكمت تحديد هذا الموعد، منها افتتاح العقد العادي في أول ثلاثاء قبل 15 تشرين الاول، جلسة تشريع الضرورة، وارتباطه بموعد سفر الى جنيف. لكنه يستدرك أنه في حال حصل توافق على موضوع الرئيس، لا شيء يمنع تقصير المهلة والدعوة الى جلسة عاجلة.

 

لكن أين حزب الله من التباين “الأملي” ــ “العوني”؟ إنّ التطور الطبيعي لمسار الأحداث يطرح سؤالاً هل آن الأوان لعقد قمة ثلاثية تضمّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله والرئيس بري والعماد عون لتذليل العقد والالتباسات بين الرابية وعين التينة لا سيما أنّ شخصاً وحيداً قادراً على تذليلها، هو السيد؟

 

تشير مصادر مطلعة لـ “البناء” إلى كلام الأمين العام لحزب الله في لقائه السنوي مع قراء العزاء عشية حلول شهر محرم “أنّ العقدة ليست مع حلفائنا بل لدى تيار المستقبل، عندما يتخذ المستقبل قراراً بالنزول الى البرلمان وانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، نستطيع ان نتفاهم مع حلفائنا”.

 

لكن ماذا عن لقاء الحريري بالسيد نصرالله؟ إنّ الاجتماع غير مطروح. سيتمّ الاكتفاء وفق قطب سياسي بارز لـ “البناء”، بقنوات التواصل المفتوحة عبر الحوار الثنائي الذي يشكل بديلاً. من دون أن يستبعد المصدر نفسه، لقاء بين الحريري ومساعد الأمين العام لحزب الله الحاج حسين خليل، إذ لا شيء يمنع ذلك، إذا سلكت الأمور مسارها الصحيح.

 

الأكيد، أنّ جنرال الرابية هو الرابح الأكبر في نظر حزب الله، لكن الأخير لن يرضى في الوقت نفسه أن يخرج أحد من حلفائه خاسراً لا فرنجية ولا بري.

اترك تعليقًا